الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
457
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الآية الأولى من هذه المجموعة نفس الموضوع ، لكن في بعد خاص وهو أن دعوة الأنبياء وكتبهم السماوية نزلت بلسان أول قوم بعثوا إليهم . يقول تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه . لأن الأنبياء يرتبطون في الدرجة الأولى مع قومهم ، وأول نور الوحي يشع من بينهم ، وأول الصحابة والأنصار ينتخبون منهم ، لذلك فإن الرسول يجب أن يحدثهم بلغتهم وبلسانهم ليبين لهم . وفي الحقيقة فإن هذه الجملة تشير إلى أن دعوة الأنبياء لا تنعكس في قلوب أتباعهم بأسلوب مرموز وغير معروف ، بل كانت توضح لهم من خلال التبيين والتعليم والتربية وبلسانهم الرائج . ثم يضيف القرآن الكريم بعد أن بين لهم الدعوة الإلهية فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء فليست الهداية والضلال من عمل الأنبياء ، بل عملهم الإبلاغ والتبيين ، الله سبحانه وتعالى هو الموجه والهادي الحقيقي لعباده . ولكي لا يتصور أحد أن هذا القول بمعنى الجبر وسلب الحريات ، فيضيف القرآن مباشرة وهو العزيز الحكيم وبمقتضى عزته وقدرته فإنه قادر على كل شئ ، ولا أحد له قدرة على المقاومة في مقابل إرادته تعالى ، ولكن بمقتضى حكمته لا يهدي ولا يضل أحدا بدون سبب ودليل ، بل الخطوة الأولى تبدأ من قبل العباد وبكامل الحرية في السير إلى الله ، ثم يشع نور الهداية وفيض الحق في قلوبهم ، كما في سورة العنكبوت الآية ( 69 ) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا . وكذلك حال الذين تاهوا في وادي الضلالة وحرموا من فيض الهداية ، فهو نتيجة لتعصبهم الأعمى ومحاربتهم للحق ، وغرقهم في الشهوات ، وتلوثهم بالظلم والجور . كما يقول تعالى : كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ، ( 1 ) ويقول
--> 1 - غافر ، 34 .